عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

142

اللباب في علوم الكتاب

على ما قال لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناء ويكون التقدير : ويمسك السماء بإذنه « 1 » . قال شهاب الدين : فهذا الاستثناء مفرغ ، ولا يقع في موجب ، لكنه لما كان الكلام قبله في قوة النفي ساغ ذلك إذ التقدير : لا يتركها تقع إلا بإذنه ، والذي يظهر أن هذه الباء حالية ، أي : إلا ملتبسة بأمره « 2 » . ثم قال : « إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » أي أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذا رؤوف رحيم « 3 » قوله : « وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ » أنشأكم ولم تكونوا شيئا « ثُمَّ يُمِيتُكُمْ » عند انقضاء آجالكم « ثُمَّ يُحْيِيكُمْ » يوم القيامة للثواب والعقاب « إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ » لنعم اللّه عزّ وجلّ « 4 » ، وهذا كما يعدد « 5 » المرء نعمه على ولده ثم يقول : إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران ، وبعثا له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله « 6 » : « وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » « 7 » . قال ابن عباس : الإنسان هنا هو الكافر ، وقال في رواية : هو الأسود بن عبد الأسد « 8 » وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف . والأولى أنه في كل المنكرين « 9 » . قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 67 إلى 69 ] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 68 ) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 69 ) قوله تعالى « 10 » : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ لما عدد نعمه وأنه لرؤوف « 11 » رحيم بعباده ، وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلّف ، فقال : « لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً » . وحذف الواو من قوله : « لِكُلِّ أُمَّةٍ » لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فحذف العاطف « 12 » . قال الزمخشري : لأن تلك « 13 » وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في

--> ( 1 ) تفسير ابن عطية 10 / 387 . ( 2 ) الدر المصون : 5 / 80 . ( 3 ) انظر الفخر الرازي 23 / 64 . ( 4 ) في ب : اللّه تعالى . انظر البغوي 5 / 609 . ( 5 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 64 . ( 6 ) قوله : سقط من ب . ( 7 ) [ سبأ : 13 ] . ( 8 ) في الأصل : الأسود . وهو تحريف . ( 9 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 64 . ( 10 ) تعالى : سقط من ب . ( 11 ) في ب : رؤوف . ( 12 ) انظر الفخر الرازي 23 / 65 . ( 13 ) يريد قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ [ 34 من السورة نفسها ] .